خواجه نصير الدين الطوسي

308

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

بهذا الكلام ، وإنّما قالوا بحدوث الكلام الذي يكون حروفا وصوتا . فإذا ثبت ذلك ، فلو قلنا بحدوث هذا الكلام ، كان قولا ثالثا ، وهو خرق الاجماع ، وهو باطل . الثاني وهو أن الكلام لو كان محدثا لكان إمّا أن يحدث في ذات اللّه تعالى فيكون اللّه تعالى محلّا للحوادث ، وهو محال ، أو لا يحدث فيها وهو محال ، لأنّ كون اللّه تعالى متكلّما قد دللنا على أنّه من صفاته . وصفة الشيء يستحيل أن لا تكون حاصلة فيه وإلّا لجاز أن يكون الجسم متحركا بحركة قائمة بالغير ، وذلك محال . واحتجوا بأمور : أحدها أنّ الأمر بلا مأمور عبث ، وهو غير جائز على اللّه تعالى . وثانيها أنّه تعالى في الأزل لو كان متكلّما بقوله : « إِنَّا أُرْسِلْنا » وهو إخبار عن الماضي ، لكان كاذبا . وثالثها أنّ الأمة مجمعة على أنّ كلام اللّه ناسخ ومنسوخ ، وسور وآيات ، وذلك من صفات المحدثات . والجواب عن الأوّل أنّ عبد اللّه بن سعيد ذهب إلى أنّ كلام اللّه تعالى وإن كان قديما لكنّه ما كان في الأزل أمرا ، ولا نهيا ، ولا خبرا ، ثمّ صار فيما لا يزال كذلك . وهذا في غاية البعد ، لأنّا لما وجدنا في النفس طلبا واقتضاء وبيّنا الفرق بينه وبين الإرادة أمكننا بعد ذلك أن نشير إلى ماهيّة معقولة وندّعى ثبوتها للّه تعالى . فامّا الكلام الذي يغاير هذه الحروف والأصوات ويغاير ماهيّة الأمر والنهى والخبر فغير معلوم التصوّر ، فكان القول بثبوته للّه تعالى في الأزل محض الجهالة . وأمّا جمهور الأصحاب فقد زعموا أنّ كلام اللّه تعالى كان أمرا ونهيا في الأزل . ثمّ منهم من يقول : المعدوم مأمور على تقدير الوجود . وهذا في غاية البعد ، لأنّ الجماد إذا لم يجز أن يكون مأمورا ، فالمعدوم الذي هو نفي محض كيف يعقل أن يكون مأمورا . ومنهم من قال : إنّه كان في الأزل أمرا من غير مأمور ، ثمّ لمّا استمرّ وبقي صار المكلّفون بعد دخولهم في الوجود مأمورين بذلك الأمر . وضربوا له مثالا ، وهو أنّ الانسان إذا أخبره النبيّ الصادق بأنّ اللّه تعالى سيرزقه ولدا ولكن يموت